ابن فرحون

15

تاريخ المدينة المنورة ( نصيحة المشاور وتسلية المجاور ) ( ط بيروت )

المدينة عام خمسين ومائة ، عمل المرمر في جوانب المسجد حتى ألحقه بالسواري ، فسأله أبو مودود عبد العزيز بن أبي سليمان أن يدع له مصلّى ، فتركه . قلت : وهذا كلّه يدلّ على أنّ التابعين فمن بعدهم كان لهم من المسجد أماكن يختصون بها ، ويحافظون على بقائها برسمها ؛ لتكون باسمهم ، لفضلهم وعلمهم . وروينا بالسّند الصّحيح إلى ابن عمر رضي اللّه عنهما أنّ النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم كان إذا اعتكف يطرح له وسادة ، ويوضع له سرير من جريد فيه سعف يوضع له فيما بين الأسطوانة التي وجاه القبر وبين القناديل ، وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يضطجع عليه . قال أبو وجزة السّعدي ، وهو يذكر السّرير ، ويمتدح آل الزبير لقربهم منه محلا : وإذا غدا آل الزّبير غدا النّدى * وإذا انتدوا فإليهم ما ينتدي وإذا هموا راحوا فإنهم هموا * أهل السّرير وأهل صدر المسجد قلت : وهذا يؤيّد ما نحن بصدده ، ويزيد في عدده ومدده . قال القرطبي في تفسير « سورة المجادلة » : القاعد في موضع من المسجد إذا قام لغيره ، وكان قيامه في موضع مثل الأول يسمع فيه كلام الإمام لم يكره له ذلك ، وإن كان أبعد من الإمام كره له ذلك ، لأنّ فيه تفويت حظّه من القرب ، وإذا أمر إنسان إنسانا أن يبكّر إلى الجامع فيأخذ له مكانا يقعد فيه لا يكره ، فإذا جاء الآمر يقوم المأمور من المكان . وروي أنّ ابن سيرين كان يرسل غلامه إلى مجلس له في يوم الجمعة فيجلس فيه ، فإذا جاء قام له منه . قال : وعلى هذا من أرسل بساطا أو سجادة تبسط له في موضع من المسجد . روى مسلم « 1 » عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال :

--> ( 1 ) كتاب السلام « باب إذا قام من مجلسه ثم عاد » 4 / 1715 ( 31 / 2179 ) .